الغـصّة في قـلوب الآبـاء والربـح في جـيوب مـلاك المـدارس الخاصـة
إن تراجـع سعر الصرف يبعث بارقة أمل في نفوس المواطنين، غير أن هذا الأمل يظل ناقصًا ما لم يتحول إلى واقع ملموس في الأسواق، وفي أسعار السلع الأساسية، وفي قدرة الأسرة على ملء موائدها بما تحتاجه، لا أن يبقى مجرد خبر عابر في نشرات الاقتصاد.
فـالتحسن الذي يطرأ على قيمة العملة الوطنية، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإقناع الناس بأن الأوضاع تتجه نحو الأفضل؛ فالمواطن البسيط لا يقيس السياسات الاقتصادية بلغة الأرقام والرسوم البيانية، وإنما يقيس جدواها بما يلمسه يوميًا عند شراء حاجياته الأساسية من غذاء ودواء ومواصلات.
فـإذا بقي التاجر في مأمن من الرقابة والمساءلة، فإن أي إصلاح مالي سيتحول إلى مكسب إضافي لفئة محدودة، فيما تبقى معاناة الغالبية قائمة، بل وربما تتفاقم.
إن المناطـق المحررة اليوم بأمسّ الحاجة إلى إدارة اقتصادية صارمة تتجاوز حدود الخطابات والتصريحات، لتفرض حضورها في الأسواق وتحمي المستهلك من الاستغلال؛ فالإصلاح لا تثبت جدارته في مكاتب الحكومة أو على منصات الإعلام، بل تثبته قدرة المواطن على شراء ما يسد رمقه بكرامة ومن دون إذلال.
ولـذلك؛
فإن الرهـان على استقرار اقتصادي حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بكسر حلقة الاحتكار والمضاربة، وتفعيل أدوات الرقابة المؤسسية، وربط تحسن العملة بآليات فاعلة لضبط الأسعار، عندها فقط يمكن القول إن الإصلاح شق طريقه نحو المجتمع، وأن الأمل خرج من دائرة الترقب إلى فضاء الواقع الملموس، واقعٍ يجد فيه المواطن أثر الإصلاح على مائدته لا على شاشته.
والـيوم؛
مـع بداية "الـعام الدراسـي الجـديد"، تتجلى هذه المفارقة بوضوح أكبر؛ إذ لم تبادر الدولة إلى التدخل لخفض الرسوم الدراسية أو ضبطها بما يتناسب مع تحسن العملة.
ذهـب أولياء الأمـور -وهم بلا راتب- والغصة تملأ قلوبهم، يتوسلون ملاك المدارس الخاصة أن يتقوا الله ويخفضوا الرسوم تخفيضًا حقيقيًا، لا أن يتذرعوا بما يسمونه “التصنيف”، الذي يبدو في ظاهره رحمة، لكنه في باطنه عذاب وتواطؤ وصمت عن جشعٍ يتنامى بلا رادع.
لـقد تحولت قاعات المدارس الخاصة إلى مرآة تكشف بجلاء حجم الفجوة بين المواطن البسيط الذي يئن تحت وطأة الأعباء، وبين من يكدّس الأرباح فوق الأرباح، مستفيدًا من غياب الرقابة وغياب تدخل الدولة.
وهـكذا تبقى الحقيقة المرة، أن المستفيد الحقيقي من انخفاض أسعار صرف العملات الأجنبية ليس المواطن الذي يترقب الفرج، بل فئة ضيقة من أصحاب النفوذ الاقتصادي الذين يحولون أزمات الناس إلى فرص ربح إضافية.
مـا يحـدث -اليوم- ليس مجرد قضية مالية أو تعليمية فحسب، بل هو انعكاس لفشل النظام في ترجمة تحسُّن المؤشرات الاقتصادية إلى تحسُّن ملموس في الحياة اليومية للمواطن.
لـذا؛
فـإنه يحتم على الدولة عبر سلطاتها المركزية والمحلية؛ أن تتدخل عاجلًا لضبط الرسوم الدراسية، وحماية حقوق أولياء الأمور، ووقف أي استغلال للظروف الإنسانية أو الاقتصادية.
فـالأمل الحقيقي لا يُقاس بمؤشرات السوق وحدها، بل بمدى شعور المواطن بالعدالة والكرامة في معيشته اليومية.
ها هي ملامح "التعافي الثاني تبدأ بالظهور"، فهل يُعقل أن تظل الرسوم الدراسية على حالها؟ وهل من المنطقي أن تهبط العملة مرارًا وتكرارًا دون أن يرافق ذلك أي تخفيض في قيمة هذه الرسوم، خاصة ونحن ما زلنا على عتبة العام الدراسي الجديد؟
أسـئلة؛
يـطرحها أولياء الأمور بألمٍ كبير، وينتظرون إجابةً عملية تعيد التوازن بين الواقع الاقتصادي المتقلب وحقوقهم المشروعة التي يتم انتهاكها.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 31. أغسطس. 2025م
.