الذكرى العاشرة لثورة الزرانيق بين ملحمة التاريخ وسجالات الحاضر....
ا
✍️????: عبدالمجيد زبح
تحل الذكرى العاشرة لثورة الزرانيق ضد المليشيات الحوثية ومشروعها السلالي في لحظة تاريخية مشبعة بالجدلية السياسية حيث يتقاطع الماضي بالحاضر وتتشابك ملحمة الاجداد مع رهانات الاحفاد وتتكشف حالة من التوظيف والاستغلال والشيطنة المتبادلة التي تعكس بجلاء حجم الصراع على الرمز والمعنى بل وحجم المعركة على هوية تهامة ومستقبلها هذه الذكرى ليست حدثا عابرا يمكن التعامل معه بسطحية او بروتوكولية وليست مجرد استعادة لواقعة تاريخية انطفأت بمرور الزمن بل هي ملحمة حقيقية متواصلة من الدماء والتضحيات من دماء الاجداد الذين واجهوا المشروع الامامي قبل قرن الى دماء الاحفاد الذين يواجهون اليوم مشروع الحوثي السلالي بوجهه الجديد.
فثورة الزرانيق وما تمثله من رمزية ليست ملكا لفخذ او قبيلة بعينها وليست حكرا على جماعة او جهة سياسية بل هي عنوان جامع لمعركة تهامة باسرها فالزرانيق كانوا راس الحربة لكن القضية التي حملوها هي قضية كل تهامة ومصيرهم الذي راهنوا عليه هو مصير كل التهاميين لذلك فان استدعاء الذكرى العاشرة لا يمكن ان يقرأ فقط باعتباره عملا احتفاليا وانما باعتباره تاكيدا ان جذوة النضال لم تنطفئ وان مسيرة المقاومة لا تزال حية وان روح الثورة والنضال التهامي حاضرة في كل بيت تهامي ومع ذلك فان هذا المشهد لم يخل من حالات الجدل والاستغلال السياسي حيث برزت محاولات شيطنة ومحاولات استثمار ضيق وتوظيف انتهازي تسعى كلها لابقاء تهامة في حالة من التشرذم والتفكك وهناك من يقود النار لتغذية الفجوة وهناك من يحاول ان يبقي على حالة الضعف والانقسام لان وحدة تهامة تهدد مشاريع ضيقة سلالية محليا وبعضها متصل بمشروع الهضبة الزيدية السياسية.
لقد كان الحراك التهامي السلمي بوصفه امتدادا طبيعيا لنضال الزرانيق حاضرا في مشهد الذكرى لكنه كان حضورا شكليا اكثر من كونه مؤثرا حضر بقياداته لكنه غاب بتاثيره بدا وجوده اشبه بالمجاملة البروتوكولية لا اكثر وهذا ليس مستغربا في ضوء حالة التقوقع التي دخل فيها الحراك او ادخل اليها نتيجة فقدان الرؤية وضبابية الادراك لمكانته الحقيقية وتحول بعض من يديرونه الى منطق الشللية الضيقة حيث اختزل مشروع النضال التهامي في اصوات صبيانية تتصدر المشهد بلا وزن حقيقي وكانت النتيجة الطبيعية ان انكفأ الحراك وانغلق على نفسه واصبح عاجزا عن الفعل او عن استثمار اللحظة التاريخية وحتى حين حضر بدا حضوره مثل غيابه بلا اثر ولا صدى.
ومع ذلك فان العودة الى مشهد الحضور في الذكرى العاشرة تكشف ان الرسالة الاقوى لم تأت من الحراك بل من القبائل التهامية نفسها كان الحضور القبلي لافتا وكبيرا وهو ليس غريبا على تهامة التي ظلت القبيلة فيها تشكل عمودها الفقري ودرعها الحامي وسيفها المسلول في مواجهة ومقاومة الهضبة الزيدية فالقبيلة في تهامة ليست مجرد مكون اجتماعي بل هي الثقل الحقيقي وهي المخزون الاستراتيجي الذي لا يمكن تجاوزه او تجاهله وهذا الحضور بعث برسالة واضحة لكل من يحاول التوظيف السياسي او الاستغلال الفئوي تهامة في ثقلها القبلي تقف يقظة ورسالتها ان اي مشروع لا يضع القبائل في قلبه لن ينجح واي محاولة لتجاوزها او اختزالها ستصطدم بجدار صلب.
وهنا تتجلى جدلية المشهد لان حضور القبائل يرسل رسالة مزدوجة من جهة الى المشاريع الفئوية او السلالية وعلى راسها المشروع الزيدي بان هناك صحوة تهامية آخذة في التشكل وان هذا الوعي الجمعي في طريقه الى ان يصبح قوة ضاغطة وحاسمة ومن جهة اخرى الى الداخل التهامي نفسه وخاصة الحامل السياسي للقضية الحراك التهامي السلمي او اي كيان سياسي لا يمكنه ان يدعي تمثيل تهامة ما لم يكن مشروعا جامعا يخرج من شرنقة الشللية وينفتح على كل التهاميين.
لقد مثل القائد الشهيد عبدالرحمن حجري لحظة فارقة في هذا المسار النضالي كان حجري شخصية استثنائية في قدرتها على الجمع على كسب ثقة القبائل والرموز وعامة الناس وعلى تمثيل المعدن الاصيل لروح تهامة وكان حكيما يعرف طبيعة المجتمع التهامي بعمق ولم يغلق الباب في وجه احد ولم يغلق احد بابه في وجهه ولذلك ظلت القبائل والمحتمع التهامي يتمسك به ويرى فيه قائدها ورمزها لكن بعد رحيله تبدل المشهد بشكل كامل ويتجه للتقوقع والتشكيلات الفئوية التي حاولت ان تعتبر نفسها امتدادا له وفشلت في ان تملأ الفراغ لانها انغمست في التوازنات الضيقة وتجاهلت القبائل وتجاهلت رموز تهامة ومناضليها فانكشفت الفجوة واهتزت الثقة واصبح الحراك عبئا بدل ان يكون رافعة فما كانت تقبله القبائل وكل المجتمع التهامي من حجري لن تقبله من اي تشكيل آخر وما كان حجري يقدمه من صدق وشجاعة ورؤية لم يعد موجودا فيمن خلفوه ومن هنا جاء الغضب وجاء الاستياء وجاءت الدعوة الى تصحيح المسار.
فالرسالة التي ينبغي ان تفهم ان تهامة لن تقبل ان يدار مشروعها عبر كولسة ليلية ولا عبر توزيع مناصب كانها هبات او تفضلات ولا عبر وصاية من احد يتوهم انه وصي على نضال تهامة مشروع النضال التهامي ليس ملكا لاحد ولا وصاية فيه لاحد بل هو قضية شعب باكمله واذا اراد الحراك ان يستعيد مكانته فعليه ان يعيد بناء نفسه على اسس مؤسسية حقيقية تستوعب القبائل والرموز والمناضلين والمخلصين وتبني شراكة واسعة وتستعيد الثقة المفقودة.
وفي قلب هذا المشهد كله يطل المشروع السلالي الحوثي الذي هو في جوهره امتداد لمشروع الزيدية السياسية التاريخي بشقيها السلالي والقبلي وهذا المشروع لم يكن في اي يوم مجرد حركة دينية او اجتماعية بل كان دوما مشروع سلطة وهيمنة يستند الى فكرة الاصطفاء السلالي والى محاولة فرض الوصاية منذ قرون والمشروع الزيدي يسعى لابقاء تهامة تحت هيمنته يستخدم الدين غطاء والسياسة اداة والعنف وسيلة واليوم في صورته الجديدة لا يختلف جوهر المشروع بل يزداد خطورة لانه يلبس لبوسا معاصرا ويستثمر حالة الانقسام والضعف والفوضى بوسائل مختلفة لكنها تقوم على ذات الاساس الغاء الآخر اخضاع المجتمع فرض الوصاية السلالية وتحويل تهامة كله الى مزرعة خاصة ببيت واحد وسلالة واحدة.
لكن مواجهة هذا المشروع لا يمكن ان تنجح اذا ظل الداخل التهامي غارقا في فوضى الشللية والانقسامات فالهضبة الزيدية تراهن على استمرار هذا الوضع تراهن على ان الحراك يبقى متقوقعا وعلى ان القبائل تبقى مشرذمة وعلى ان الاصوات الصبيانية تواصل التشويش لان ذلك كله يجعل من السهل توظيف المشهد لصالحها غير ان الرسالة التي ارسلتها الذكرى العاشرة تقول بوضوح ان رهانات الزيدية لن تنجح اذا ادرك العقلاء من التهاميين ان القضية اكبر من الصراعات الصغيرة وان النضال التهامي لا بد ان يكون جامعا وموحدا.
وما جرى في الذكرى العاشرة ليس مجرد احتفال بل كان بمثابة ناقوس خطر وجرس انذار دعوة الى استعادة الرؤية الى تجاوز الشللية الى الانفتاح على كل الطاقات الى بناء مؤسسة حقيقية قادرة على ان تعبر عن تهامة كلها لا عن مجموعة صغيرة فيها هناك متسع من الوقت لتصحيح المسار قبل ان يضيع كل شيء وهناك فرصة لتدارك الاخطاء اذا وجدت الارادة والعقلاء وما تحتاجه تهامة اليوم ليس شعارات جديدة ولا خطابات حماسية بل تحتاج الى مشروع جامع يعيد الاعتبار للنضال التهامي كقضية شعب لا كملكية خاصة لهذا او ذاك.
فالذكرى العاشرة لثورة الزرانيق بكل ما حملته من رمزية وحضور تقول شيئا واحدا بوضوح تهامة حاضرة وتهامة قادرة وتهامة لن تختزل ولن تختطف ولن تدار بوصاية ومهما حاولت الهضبة الزيدية ان توظف او ان تستثمر فانها ستصطدم بوعي تهامي متجذر وبإرادة لا تقبل الوصاية ومن لا يفهم هذه الرسالة الآن سيفهمها لاحقا لكن بعد ان يكون قد خسر كل شيء...