الخطر القادم من الشمال وهل الإنتقالي جاهز لمواجهته؟

منذ عقود، ظلت الأطماع الشمالية تجاه الجنوب تتجلى في صور مختلفة، تتراوح بين الغزو العسكري والاستغلال السياسي والاقتصادي. 

واليوم، يبدو أن الخطر القادم من الشمال يزداد وضوحا مع استعداد القوى الشمالية لمرحلة جديدة من التمدد، سواء عبر القوة المباشرة أو التحالفات السياسية.

مقدمات الخطر "الجيوش والترسانات"

في السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة التسليح والتجنيد في الشمال تحت ذرائع مختلفة، لكنها تصب في خانة واحدة ألا وهي الاستعداد لمواجهة الجنوب، بالجيوش الجرارة الذي تشكل في مأرب وتعز، والقوات التي يجري إعادة هيكلتها تحت مسميات متعددة، ليست سوى امتداد لمحاولات قديمة لإحكام السيطرة على الجنوب، هذه القوات مدعومة بأسلحة نوعية وتمويلات كبيرة، في ظل غياب رؤية واضحة حول هدفها الحقيقي، باستثناء أنها تحمل أجندة لفرض الوحدة بالقوة.

بينما يظهر الشماليون في العلن على أنهم في مواجهة مع الحوثي، إلا أن الحقيقة تشير إلى تناغم سياسي ومذهبي خفي بينهم. 

وما دام هناك من هدف مشترك يتمثل في إبقاء الجنوب تحت السيطرة، فإن التباينات المذهبية تصبح ثانوية.

 على مر التاريخ، شهدنا مواقف متكررة يختار فيها الشماليون المصالح المشتركة على الخلافات الأيديولوجية، والتقارب الحالي بين بعض القوى الشمالية والحوثيين يعزز هذا الاتجاه. فالسؤال المطروح هنا، هل هناك استعدادات جنوبية لمواجهة هذا الاحتمال؟ وماذا أعد الانتقالي لمواجهة هذا الخطر القادم؟

المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يمثل طموحات الجنوبيين في الاستقلال، يقف اليوم أمام اختبار حقيقي، كيف سيواجه المخاطر القادمة؟ وهناك سيناريوان محتملان:

1. اتفاق الشماليين مع الحوثي لابتلاع الجنوب

في حال توصلوا إلى تسوية تضمن مصالحهم المشتركة، فإن الجنوب سيواجه هجومًا مشتركًا، سواء عبر القوة العسكرية الشمالية، أو عبر محاولات خنقه اقتصاديًا.

إذا فالانتقالي بحاجة إلى تعزيز تحالفاته الإقليمية والدولية بشكل أكبر، وضمان وجود دعم عسكري ولوجستي كافٍ لحماية حدوده.

2. استغلال طرف سياسي لقوة الحوثيين كوسيلة لتحقيق أهدافه في الجنوب، دون الالتفات إلى خطر الحوثي ذاته. فالمقصود هنا أن هناك قوى تسعى لاجتياح الجنوب، لكنها لا تكترث لوجود الحوثيين أو لتهديدهم المباشر، لأنها ترى فيهم شريكًا غير معلن أو على الأقل طرفًا غير معادٍ طالما أن الهدف المشترك هو الجنوب.

هذه الثقة المطلقة في دعم الحوثي تعني أن تلك القوى تراهن على أن الحوثيين لن يعرقلوا تقدمها، بل ربما يشكلون لها خط الدفاع الأول، إما بشكل مباشر أو عبر إضعاف أي مقاومة مضادة. 

وفي المقابل، سيحقق الحوثي مكاسب استراتيجية، إذ سيحصل على فرصة لإعادة ترتيب أوراقه وتوسيع نفوذه، مستفيدًا من هذا الصراع كوسيلة ضغط أو كورقة تفاوضية.

بالتالي، يصبح الجنوب بمثابة "القربان" أو الثمن الذي تقدمه هذه القوى للحوثيين ضمن لعبة المصالح، في محاولة لاستمالتهم أو ضمان حيادهم، ما يجعل الجنوب هدفًا سهلًا ومطمعًا استراتيجياً يقدم على "طبق من ذهب".

هذا السيناريو يتطلب استعدادًا عسكريًا داخليًا، عبر بناء جيش جنوبي قوي، والتخلص من الاختراقات الأمنية، وتعزيز وحدة الصف الداخلي.

قد يقول قائل بأن جنوب ما بعد 2015 ليس كما قبله، لكن دعني أشرح لك ما خفي، وهنا اسلط الضوء على الفارق الجوهري بين مواجهة الحوثي ومواجهة الجيش اليمني الذي يرفع شعار "الدفاع عن الوحدة"، وأنت اليوم جزءا لا يتجزأ من هذا النظام السياسي وشرعيته، فمن ناحية، يُقال إن القوات الجنوبية اليوم باتت أكثر قوة وتنظيماً مقارنة بما كانت عليه قبل 2015، وإنها قادرة على حماية حدودها من أي تهديد، بما في ذلك الحوثيين، فما بالنا وقد أعدوا العدة لمواجهتنا، فهل سنواجههم باعتبارنا جزءا من الشرعية اليمنية، أم قوات جنوبية تدافع عن أرضها وحدود ما قبل العام 90؟ 

ولنقف وقفة تأمل أمام تلك النظرية المعقدة والتي نواجه فيها اختباراً حقيقياً عندما يتعلق الأمر بمواجهة الجيش اليمني، ليس فقط من حيث القوة العسكرية، بل من حيث البعد السياسي والتاريخي للصراع. فالحوثي يمثل عدواً واضحاً ومباشراً، مما يجعل مواجهته قضية مصيرية تحظى بإجماع جنوبي. أما الجيش اليمني، فيأتي تحت غطاء "الوحدة اليمنية"، وهو الشعار نفسه الذي استُخدم في حرب 1994 لاجتياح الجنوب، مما يخلق مخاوف من إعادة إنتاج السيناريو ذاته، ولكن بأدوات وأسماء مختلفة.

الأمر الأكثر خطورة هو التساؤل حول مدى تماسك القوى العسكرية الجنوبية نفسها. فهل هناك ضمانات بأن كل الفصائل الجنوبية ستظل على موقف موحد إذا ما تم اللعب على وتر "الوحدة" أو "الوطنية" كما حدث في 1994؟ هل يمكن أن تنقلب بعض القوى الجنوبية ضد مشروعها الوطني، كما حصل سابقاً، بفعل الضغوط أو المصالح أو حتى الخديعة السياسية؟

التاريخ يقول إن الحروب لا تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بتماسك الجبهة الداخلية، وإذا لم تكن هناك رؤية واضحة لقطع الطريق على محاولات تفكيك الصف الجنوبي، فإن السيناريو القديم قد يتكرر بأساليب جديدة، وربما بأدوات جنوبية ضد الجنوب نفسه.

الخيارات المطروحة أمام الجنوب

بناء قوات جنوبية متكاملة: توحيد الوحدات العسكرية الجنوبية تحت قيادة مركزية واضحة.

استراتيجية دبلوماسية نشطة: تعزيز الاعتراف الدولي بقضية الجنوب، وضمان دعم مستمر من الحلفاء الإقليميين.

تحصين الجبهة الداخلية، القضاء على الفساد والانقسامات، والعمل على جبهة موحدة لمواجهة أي تحرك شمالي.

تعزيز الاقتصاد الجنوبي، وخلق مصادر دخل مستقلة، وتقليل الاعتماد على الموارد التي يمكن أن تخضع لحصار أو تحكم خارجي.

الحرب الإعلامية والتوعوية من خلال رفع وعي الجنوبيين بالمخاطر المحدقة، والعمل على توحيد الخطاب الإعلامي لمواجهة الدعاية المضادة.

 يجب على المجلس الانتقالي أن يسعى جديًا لتقديم نموذج لدولة مدنية حديثة في الجنوب، عبر تفعيل القوانين التي تخدم بناء الدولة، والقضاء على السلبيات والإخفاقات التي رافقت مسيرته.

إعادة الثقة للشعب الجنوبي بمن فوضه

 إن إعادة ثقة الشعب الجنوبي بالمجلس الانتقالي تتطلب ملامسة حاجيات الناس، والدفع بالحلول الجذرية على أرض الواقع، بعيدًا عن الخطابات والشعارات.

محاربة الموروثات السلبية للحرب: من الضروري نبذ ومحاربة كل السلبيات الموروثة، ومنها مخرجات الحرب الظالمة على الجنوب، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

الخلاصة

الجنوب يواجه خطرًا لا يمكن التقليل من شأنه، سواء جاء مغلفًا بشعارات الوحدة أو عبر اتفاقات خفية بين الشماليين والحوثيين.

 المجلس الانتقالي أمام مسؤولية تاريخية، فإما أن يعد العدة لمواجهة المخاطر القادمة، أو يترك الجنوب عرضة لمخططات جديدة تعيده إلى مربع الاحتلال والاستغلال. 

إن المواجهة الحقيقية لن تكون فقط في ميدان المعركة، بل أيضًا في بناء دولة قوية وقادرة على حماية استقلالها، والاستعداد الجاد لمختلف السيناريوهات هو السبيل الوحيد لضمان أمن واستقرار الجنوب في المستقبل.

والله الموفق،،