على طريق ندوة الإسلام السياسي في منتدى تفاكر ...
بروفيسور قاسم المحبشي...
ظلت السلطة السياسية، كما أدرك ذلك ابن خلدون مبكراً، قطب الرحى في العمران البشري؛ إذ لا قيام للاجتماع الإنساني من دون «وازع» يمنع العدوان ويكبح العصبية بالعصبية الأقوى. فالسياسة، بهذا المعنى، ليست ترفاً ولا اختياراً أخلاقياً، بل ضرورة وجودية ملازمة للإنسان في كل زمان ومكان. ومن هنا يمكن القول إن السياسة هي «الزمن الذي لا يمر»؛ أي البنية شبه الثابتة التي تحكم الاجتماع البشري، مثلها مثل القرابة والتدين والأسطورة.
هذه الرؤية تجد صداها أيضاً لدى توماس هوبز، الذي رأى أن انهيار السلطة السياسية يعيد الإنسان إلى حالته الطبيعية الأولى: حالة حرب الجميع ضد الجميع، حيث يصبح الخوف هو الأصل الأول لكل نظام أخلاقي وقانوني لاحق. فالحضارة، في جوهرها، ليست سوى بناء هشّ فوق خوف مزدوج: الخوف من إيذاء الآخرين، والخوف من إيذاء الآخرين لنا. ومن هذا الخوف تتشكل الضمائر، والقوانين، والمحرمات، وما نسميه لاحقاً «الواجب» و«الحرام» و«الممنوع» غير أن ما يميز السياسة عن غيرها من البنى الاجتماعية هو أنها تُعاد اختراعها في كل عصر وكأنها لم تكن من قبل. فكل جيل يتوهّم أنه يبدأ من الصفر، وأنه يبتكر أشكالاً جديدة لتحقيق الذات والحرية والخلاص، بينما يعيد – في العمق – إنتاج البنى الصراعية ذاتها. هنا يلتقي التحليل الفلسفي مع التحليل الأنثروبولوجي، ومع ما يسميه ريجيس دوبريه «بنية التكرار» إذ يرى أن هناك قرابة بنيوية بين السلطان السياسي والميثولوجيا والشبق الجنسي، لا من حيث المحتوى، بل من حيث البنية الزمنية: زمن الخرافة وزمن الغريزة وزمن السلطة يشتركون في منطق واحد هو التكرار، لا التقدم الخطي. ولهذا لا تنفصل السياسة، تاريخياً، عن الأسطورة والدين، ولا عن أشكال التعبئة العاطفية والرمزية العميقة التي تتجاوز العقلانية الأداتية ومن هذا المنظور، لا تبدو الصلة بين السياسة والدين في المجتمعات العربية-الإسلامية شذوذاً تاريخياً، بل تعبيراً مكثفاً عن كينونة الكائن الاجتماعي-الديني-السياسي، بالطبع والتطبع معاً.
فإذا انتقلنا إلى المشهد العربي الراهن، يمكن الاستفادة من مقاربة ميشيل فوكو للسلطة بوصفها شبكة علاقات، لا مجرد جهاز قمعي متمركز في الدولة. فالسلطة، وفق فوكو، لا تُمارَس فقط من الأعلى إلى الأسفل، بل تتوزع في الخطابات، والمؤسسات، والمعارف، والهويات، وأنماط التطبيع والإقصاء لكن في ظل غياب المؤسسة الدستورية الجامعة أي الدولة القوية أو تفككها، لا تختفي السلطة، بل تتشظى وتُعاد توزيعها على جماعات وهويات فرعية: طوائف، عشائر، ميليشيات، جماعات دينية. وهنا يتحول الدين من مجال إيماني وأخلاقي إلى خطاب سلطة، وإلى أداة لتطبيع العنف، وإنتاج «العدو»، وشرعنة الإقصاء والقتل الرمزي والمادي.
في هذا السياق تحديداً، يمكن فهم الإسلام السياسي بوصفه شكلاً حديثاً من العصبية، بلغة ابن خلدون، لكنه عصبية مؤدلجة، تتغذى على فراغ الدولة، وعلى انهيار مفهوم المواطنة، وعلى الخلط بين الجماعة الدينية والجماعة السياسية. فالإسلام السياسي لا يطرح نفسه مجرد فاعل سياسي، بل باعتباره ممثلاً للحقيقة الدينية ذاتها، وهو ما يمنحه قوة تعبئة هائلة، لكنه في الوقت نفسه يزرع بذور العنف والانقسام البنيوي وهنا يظهر «مفترق الطرق» الذي يتحدث عنه الكتاب: فإما أن يظل الإسلام السياسي أسير منطق العصبية والغلبة، أو أن ينتقل – إن استطاع – إلى منطق الدولة والمؤسسات، أي إلى الاعتراف بالتعدد، وبنسبية الحقيقة السياسية، وبقواعد التداول السلمي على السلطة.
السنا بحاجة إلى إعادة التفكير في العلمانية من زاوية عقلانية لا بوصفها أيديولوجيا مضادة للدين، بل بوصفها – كما أثبت التاريخ السياسي الحديث – تقنية لإدارة التعدد وضبط الصراع. فالعلمانية لا تنفي الدين، بل تفصل بين مجاله الإيماني الأخلاقي ومجال الصراع على السلطة، فتحمي كليهما من التدمير المتبادل ومن المفارقات الكبرى أن هذا الأفق لا يتعارض مع الروح العميقة للإسلام، بل ينسجم مع مقاصده الأخلاقية العليا، ومع نصوصه المؤسسة التي تؤكد التعارف، والحكمة، والجدال بالتي هي أحسن، وحرمة الترويع والعنف والاعتداء.
وهكذا ، يتضح أن أزمة المجتمعات العربية ليست أزمة تدين، بل أزمة سياسة، وليست أزمة نصوص، بل أزمة دولة. والسؤال المطروح على الإسلام السياسي اليوم ليس: هل هو إسلامي بما فيه الكفاية؟ بل:هل هو سياسي بالمعنى الحديث للكلمة؟ هل يقبل بمنطق الدولة، لا بمنطق الجماعة؟ وبنسبية السياسة، لا بإطلاقية المقدّس؟ وهنا، تحديداً، يقف الإسلام السياسي عند مفترق الطرق....




