إلى الأخ/ محافظ محافظة عدن "الصرف ثابت والأسعار في ارتفاع: مَن يعيد الضبط؟
فـي لحظة يظن فيها المواطن أن ثبات سعر الصرف قد يمنحه مُتنفَّسًا مؤقتًا، يُفاجَأ بأن الأسواق تمضي في اتجاهٍ معاكس؛ حيث تُواصل الأسعار صعودها وكأن لا ضابط لها ولا رقيب.
هُـنا تتشكل المُفارقة المؤلمة: عملة مستقرة نسبيًا، ومعيشة تتدهور فعليًا، وموائد تضيق يومًا بعد يوم.
الأخ المحافـظ، إن ثبات الصرف ليس إنجازًا مكتمل الأركان ما لم ينعكس أثره مباشرة على حياة الناس؛ فالمواطن لا يقتات بالأرقام، ولا يعيش على نشرات البنك المركزي، بل يُواجه الواقع في الأسواق، وفي فواتير الغذاء والدواء والمواصلات، حيث لا تزال الأسعار تحلّق بعيدًا عن قدرته على الاحتمال.
إن استـمرار ارتـفاع الأسعار رغم استقرار العملة يكشف خللًا عميقًا في منظومة الضبط والرقابة، ويـطرح سـؤالًا مشروعًا: مَن يحمي المواطن من جَشَع المضاربين؟ ومَن يضع حدًا لفوضى التسعير؟ ومَن يُربط السياسة النقدية بالسياسة التموينية والرقابية؟
"فـ غياب التنسيق بين الجهات المعنية، يُحوِّل أي تحسُّن اقتصادي نظري إلى وهمٍ لا يلامـس الواقـع"
ونحـن على مشارف شـهرٍ كريـم، شهرٍ اعتاد فيه الناس أن يتشبثوا بما تبقّى من أمل، نتقدم إليكم بالتهنئة، وكل عام وأنتم بخير.
غـير أن هذا الشـهر، بما يحمله من قدسية ومعاني رحمة، لا ينبغي أن يُستقبل والمواطن متروكًا فريسةً لجَشَع التاجر وتقلبات السوق المنفلتة.
فـ الضـبط واجب، لكن الواجب الأهم أن يكون ضبطًا حقيقيًا لا شكليًا، وأن تُربط الأسعار فعليًا بنسبة الاستقرار الحقيقي لسعر الصرف، لا أن يُترك المواطن وحده يدفع كُلفة الفارق، فيما تتبدَّد ثمار الاستقرار في جيوب قِلَّة قليلة.
المشـكلة؛ ليست في السوق وحده، بل في غياب الدولة عن السوق؛ فحـين تغيب الرقابة، يتحول التاجر من شريك في الاستقرار إلى طرفٍ في الأزمة، وحـين تضعف أدوات الردع، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتحمل عبء كل اختلال.
إن إعـادة الضـبط لا تكون بالتصريحات ولا بالوعود المؤجلة، بل بإجراءات واضحة وحازمة: تفعيل أجهزة الرقابة، وضبط أسعار السلع الأساسية، ومحاسبة المُتلاعبين، وربط أي تحسن في المؤشرات المالية بتحسن ملموس في معيشة الناس.
"فـ الـدولة لا تُقاس بقدرتها على إدارة الأرقام، بل بقدرتها على حماية الإنـسان"
الخـطوة التالية واضحة: لا مجال للتراخي، ثبات الصرف مكسب يجب ألا يُسرَق من جيوب الفقراء ليُحوَّل إلى أرباحٍ خياليةٍ في جيوب قِلَّةٍ تستفيد من الفوضى.
حـان وقـت الضبط الحقيقي، وقت أن تكون الرقابة في السوق، والعقوبة على المُتلاعب، والعدالة الاجتماعية هي الهدف الأسمى؛ لأن اقتصادًا لا يُطعم شعبه، هو اقتصادٌ بـلا روح، واستقرارٌ بـلا معنى.
شـهر الخـير على الأبواب، وهو ينتظر منا جميعًا - حكومةً ورقابةً ومجتمعًا - أن نكون يدًا واحدة تحمي موائد الفقراء، وتعيد للاستقرار معناه الإنساني، لا المالي فحسب.
إن التحـدي الأكبر الذي يواجه السياسة الاقتصادية اليوم ليس في تثبيت سعر الصرف فحسب، بل في تثبيت حقوق الناس في العيش الكريم.
"وهـذا يستلزم جـرأة في المراجعة، وشـجاعة في الإصلاح، ووضـوحًا في الرؤية"
فـ ليكـن شهر الرحمة والمغفرة منطلقًا لمرحلة جديدة تضع الإنسان في قلب الأولويات، وتجعل من الرقابة ذمّةً، ومن المسؤولية أمانةً، ومن العدالة الاجتماعية ركيزةً لا تقبل المساومة.
الأخ المحـافـظ، فـي ظـل ثبات أسعار العملات الأجنبية إلى يومنا هذا؛ يصبح من الواجب توجيه مدراء المديريات إلى سـرعـة النزول الميداني والقيام بدورهم الرقابي لضبط الأسعار في الأسواق، وبما يضمن انعكاس هذا الاستقرار على معيشة المواطن، ويحد من جشع بعض التجار واستغلالهم للـظروف.
وفـقكم الله لكل خير، وسـدد خطاكم لما فيه مصلحة الناس والبـلاد.
اخـوكم/
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 23. يناير. 2026م
.




