وجهة نظر بشان قرار بتشكيل اللجنة التحضيرية لمجلس شيوخ الجنوب العربي

في خطوة تثير العديد من التساؤلات حول مستقبل السلطة التمثيلية في الجنوب، أصدر نائب رئيس المجلس الرئاسي رئيس المجلس الانتقالي عيدروس قاسم الزبيدي قرارا بتشكيل اللجنة التحضيرية لمجلس شيوخ الجنوب العربي، وهو قرار يحمل في طياته رؤية تنظيمية جديدة في ظل تعقيدات الواقع اليمني. ياتي هذا القرار في وقت يتصارع فيه التاريخ والواقع السياسي، اذ يشهد جنوب اليمن ارثا تاريخيا مختلفا عن مرحلة الوحدة الوطنية الحالية، وما زالت القضية الجنوبية محل نزاع وتنازع على التمثيل والهوية.

ان قرار رقم (10) لعام 2025م بمثابة محاولة لإعادة رسم خريطة التمثيل السياسي، حيث نص القرار على تشكيل لجنة تحضيرية تتولى إعداد الهيكل التنظيمي لمجلس شيوخ الجنوب العربي وقد أوكل إلى اللجنة مهاما عدة، منها ،الإعداد والتحضير لاشهار المجلس بما يشمل إعداد خطة مزمنة لتنفيذ ذلك، وهو مؤشر على رغبة المسؤولين في وضع تصور مستقبلي مؤسسي يتناسب مع واقع الجنوب ، وضع لائحة تنظيمية تتضمن الهيكل التنظيمي والمهام والاختصاصات للمجلس، مما يعكس الحاجة إلى بناء آليات جديدة للتعبير عن التنوع القبلي والاجتماعي في المنطقة، إعداد قوائم تمثيلية على أن تكون شاملة لكل قبائل المحافظات والشرائح الاجتماعية، مما يستجيب للنداءات القديمة بإعطاء صوت (للمناطق المهمشة) ! التواصل مع السلاطين والمشايخ سواء في الداخل أو الخارج، وهذا يشير إلى أهمية استشارة القوى التقليدية والأصول الاجتماعية في عملية صنع القرار، كذا وضع حدود للهيئة المركزية والتنفيذية، حيث تم تحديد عدد أعضاء الهيئة المركزية بـ121 عضوًا والهيئة التنفيذية بـ15 عضوًا، وهو توزيع يهدف إلى تحقيق توازن بين مختلف الأطراف.

كما يبرز القرار أن اللجنة ستعقد اجتماعاتها في العاصمة عدن مع إمكانية المشاركة عن بعد، مما يعكس محاولة للتوفيق بين متطلبات العصر الرقمي والواقع الميداني .

يرجع تاريخ جنوب اليمن إلى فترات مضطربة شهدت صراعات سياسية واجتماعية عميقة. فقد كانت هناك فترات حرب مع الأنظمة التقليدية التي امتلكت السلطة (السلاطين والمشيخة)، حيث قام النظام السابق بتاميم املاكها والسعي الى ارساء نظام جمهوري يعتمد على اسس جديدة ، وهذا التاريخ ما زال حيا في الذاكرة الجماعية للجنوب، حيث ينظر إلى تلك الحقبة باعتبارها فترة انطلاق لبناء دولة قائمة على العدالة والمساواة.

ومع ذلك، فان واقع اليوم لم يتغير كثيرا من حيث التعقيد السياسي فبظل دولة يمنية واحدة، تستمر النزاعات المسلحة والسياسية في اجتياح البلاد، ما يؤدي إلى معاناة المواطن العادي، وفي ظل هذه الظروف تنشط حركات ومطالبات جنوبية تسعى لإعادة الاعتراف بالخصوصية التاريخية والسياسية للجنوب، وقد تتجلى هذه المطالبات في محاولات تشكيل هياكل تمثيلية جديدة كما جاء في القرار الحالي.

سيرتبط القرار الحالي بالعديد من التحديات والآمال منها ، التحدي السياسي ، بمحاولة تشكيل مجلس شيوخ يمثل فئة معينة قد تواجه رفضا من القوى التي ترى في الوحدة الوطنية قيمة عليا، ما قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات، كذا التحدي الاجتماعي، يحتاج المجلس إلى تمثيل شامل لكافة الشرائح المجتمعية والقبلية في الجنوب، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل التاريخ الطويل من الصراعات والانقسامات، والسؤال الاهم اين عدن وابنائها من كل ذلك !

 اذا ما انجزت مهام اللجنة بنجاح، فقد يمثل ذلك خطوة نحو إعادة الاعتبار لمطالب الجنوب وبناء الية سياسية جديدة قد تسهم في معالجة بعض قضايا الظلم والتهميش التي عانى منها المواطن وقد تكون بمثابة بوابة لإعادة النظر في الهيكلة السياسية للمناطق الجنوبية مما يستدعي تكاتف جميع القوى السياسية والاجتماعية في اليمن للوصول إلى حل شامل يضمن استقرار البلاد ويحقق العدالة لجميع مكوناتها ، وياتي القرار في وقت يعاني فيه المواطن اليمني من وطاة الحرب والتقسيم، وهو محاولة لايجاد صيغة تنظيمية تعطي صوتا حقيقيا للجنوب العربي.

 ورغم ان التاريخ يحمل في طياته دروسا عن الصراعات مع الانظمة التقليدية ومحاولات اقامة نظام جمهوري قائم على اسس جديدة، الا ان واقع الوحدة الوطنية اليوم لا يزال يعقد مسيرة الإصلاح السياسي.

ومن وجهة نظر اخرى هل يمكننا تلخيص الأمر في نقاط اخرى ونعني بذلك هل هناك توجه داخل المجلس الانتقالي لإعادة دور السلاطين والأمراء والمشائخ، وهو المشروع الذي يتعارض مع منطلقات ثورة 14 أكتوبر التي قامت على إنهاء المشيخات والسلطنات المتحالفة مع الاستعمار البريطاني ، وكانه محاولة لتصفية حسابات سياسية قديمة مع مبدأ الكفاح المسلح الذي قادته الجبهة القومية، مما يضر بالمجلس الانتقالي ومشروع استعادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لذلك من الضروري مناقشة هذه القضية بعمق عبر حوار وطني يؤكد أن ثورة 14 أكتوبر انتصرت بآليتها الثورية، وأن مسار النضال الوطني لا يعود إلى الوراء رغم التحديات.

 ويبقى السؤال الأكبر ! هل ستترجم هذه المبادرة الى تغيير حقيقي يخفف من معاناة المواطن ويعيد الاعتبار للقضية الجنوبية ولعدن ؟ او الزمن وحده كفيل بالإجابة.