وصاية بنكهة الفوضى 



ليس أكثر استفزازًا من أن تتحدث السعودية عن “تطبيع الأوضاع” في الجنوب، بينما سجلّ حضورها منذ اليوم الأول يشي بعكس ذلك تمامًا. فمنذ أن وطئت أقدامها المشهد الجنوبي، لم يكن “الاستقرار” عنوانًا فعليًا، بل كانت الفوضى مشروعًا مُدارًا بعناية، يبدأ بإدخال قوات شمالية إلى حضرموت وشبوة، ولا ينتهي بمحاولات بائسة لتصدير ذات العبث إلى عدن.

تقول الرياض كلامًا معسولًا في المؤتمرات والبيانات، لكنها تطبق على الأرض سياسة معاكسة تمامًا. تتحدث عن الأمن، بينما تُبقي على قوات غريبة عن الأرض، لا تنتمي للمكان ولا لأهله، وتدير ظهرها لمطالب السكان الأصليين الذين يصرخون منذ سنوات: سلّموا الأرض لأهلها.

في حضرموت، لم يعد السؤال عن “النية” بقدر ما أصبح عن “الغاية”. ما الذي يمنع المملكة من إخراج تلك القوات المنتقمة والغازية وإعادتها إلى مناطقها الطبيعية؟ ولماذا الإصرار على إبقائها في الوادي والصحراء؟ أهو انعدام الثقة بأبناء حضرموت، أم أن هناك رغبة واضحة في تأمين نهب الثروات تحت حماية بنادق لا علاقة لها بالمكان؟

الأدهى من ذلك، أن الوقائع التي كُشف عنها مؤخرًا بشأن النهب المنظم في وادي حضرموت، لم تُقابل بخطوة سعودية جادة. لا لجنة تقصي حقائق نزلت إلى الأرض، ولا محاسبة طالت من أجرموا بحق حضرموت وأهلها. صمتٌ ثقيل، يوحي بالتواطؤ أكثر مما يوحي بالإهمال.

أما عدن، فقد فشلت كل المحاولات المستميتة لنقل الفوضى إليها. ورغم تكرار المحاولات، يومًا بعد يوم، تتكسر على صخرة الوعي الجنوبي ورفض الشارع لأي وصاية مقنّعة. ولهذا، انتقلت الرياض إلى خطة أكثر خبثًا: سياسة الاستقطاب، شراء الصمت، وإسكات الأصوات التي ترفض تصرفات “برايمر عدن”، تمهيدًا لنقل ذات السياسة القذرة إلى قلب العاصمة المؤقتة.

وفي شبوة، المشهد لا يختلف كثيرًا: عسكرة بلا شرعية محلية، وتجاهل متعمد لإرادة الناس، وكأن الجنوب أرض بلا أصحاب، أو ساحة اختبار لسياسات فاشلة جُرّبت في غير مكان.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا صمتت السعودية على هذا العبث لسنوات؟ وهل هي ماضية في ذات النهج إلى ما لا نهاية، بلا رقيب أو حسيب؟ أم أن خطاب “التطبيع” ليس سوى قناع هش لوصاية قديمة تتجدد بأدوات أكثر دهاءً؟

ما يحدث اليوم لم يعد سوء تقدير عابر، بل مهزلة كاملة الأركان باسم الوصاية. والجنوب، الذي دفع أثمانًا باهظة، لم يعد مستعدًا لتصديق الكلمات، ولا لقبول واقع تُدار فيه الفوضى بربطة عنق دبلوماسية. لقد انتهى زمن الكلام المعسول، وبقيت الحقيقة عارية على الأرض: من يريد الاستقرار، يبدأ بإخراج الغرباء، وتسليم الأرض لأهلها، لا العكس.