منتجع خليج الفيل.. اختبار الدولة المدنية وإنصاف الذاكرة العدنية

منتجع خليج الفيل.. اختبار الدولة المدنية وإنصاف الذاكرة العدنية


منبر الأخبار:خاص

كتب/ عارف ناجي علي: ليست القضايا العقارية في مدينة عدن مجرد نزاعات على أرض أو منشآت، بل تتجاوز ذلك لتلامس جوهر الكرامة والعدالة وذاكرة المدينة وتاريخها المدني. ومن بين هذه القضايا، تبرز قضية منتجع خليج الفيل (Elephant Bay) في منطقة التواهي – جولدمور، كأحد أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا، ليس بوصفه منشأة سياحية فحسب، بل كرمز لمرحلة حضارية راقية من تاريخ عدن.

ويمثل منتجع خليج الفيل أحد أبرز المعالم السياحية التي ارتبطت بذاكرة التواهي وعدن عمومًا، حيث شكّل لعقود متنفسًا طبيعيًا وإنسانيًا وواجهة حضارية أسهمت في ترسيخ مكانة المدينة كعاصمة سياحية وثقافية في منتصف القرن العشرين، حين كانت عدن نموذجًا للمدنية والانفتاح.

وتعود ملكية المنتجع في الأساس إلى أسرة عبدالرحمن خان، وهي من الأسر العدنية العريقة المعروفة بدورها التجاري والاجتماعي، ومساهمتها في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية للمدينة. ولا يمكن الحديث عن هذه الأسرة دون الإشارة بكل تقدير إلى الأستاذة الفاضلة أحلام شرماني، زوجة المرحوم عبدالرحمن خان، لما تمثله من قيمة إنسانية وأخلاقية وحضور عدني أصيل.

وعقب استقلال جنوب اليمن عام 1967، وخلال سبعينيات القرن الماضي، طالت قوانين التأميم عددًا كبيرًا من الممتلكات الخاصة، وكان منتجع خليج الفيل من بين المنشآت التي انتُزعت من ملاكها دون تعويض عادل، في مرحلة تاريخية ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم. وبعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، فُتح ملف معالجة الأملاك المؤممة، إلا أن الواقع كشف عن مسار طويل وشائك، دخلت خلاله العديد من القضايا دهاليز المحاكم، وتعرضت للتسويف والتعطيل والنفوذ، رغم صدور أحكام قضائية نافذة لصالح المتضررين.

وتتفاقم المأساة حين تجد الأسرة نفسها اليوم أمام واقع أكثر إيلامًا، يتمثل في وجود أحكام قضائية ثابتة وحقوق قانونية مؤكدة، يقابلها استمرار الاعتداء على الملكية بصيغ جديدة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول دور الدولة وهيبة القانون واحترام القضاء.

كما تعرض المنتجع، شأنه شأن عدد من معالم التواهي، لأضرار جسيمة جراء البسط غير القانوني بعد حرب 1994، ثم حرب 2015، ما أدى إلى تدهور المنشأة وتوقف دورها السياحي، وتحولها من معلم حضاري بارز إلى شاهد صامت على الإهمال والعبث.

وتؤكد هذه القضية أن منتجع خليج الفيل ليس محل صراع استثماري أو خصومة شخصية، بل قضية حق قانوني وإنساني واضح، تندرج ضمن ملف الأملاك المؤممة الذي ما يزال مفتوحًا في وجدان أبناء عدن. وإذا كانت الدولة ترفع اليوم شعار الدولة المدنية، فإن أول اختبار حقيقي لذلك الشعار يتمثل في احترام الملكية الخاصة، وتنفيذ أحكام القضاء، وإنصاف المتضررين، وحماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين.

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى مؤسسات الدولة المعنية، وفي مقدمتها محافظ محافظة عدن، والنائب العام، والمجلس الأعلى للقضاء، والأجهزة التنفيذية المكلفة بإنفاذ الأحكام، متسائلين: كيف يمكن أن تبقى أسرة عدنية عريقة لسنوات طويلة تطالب بحق ثابت، بينما يتكرر الاعتداء على ممتلكاتها دون رادع؟

إن إعادة منتجع خليج الفيل إلى أصحابه الشرعيين ليست مجاملة ولا منّة، بل واجب قانوني وأخلاقي، ويمكن أن تمثل نموذجًا عمليًا لإنصاف الأملاك المؤممة، ورسالة ثقة حقيقية للدولة، وخطوة جادة نحو المصالحة المجتمعية، واحترام ذاكرة عدن وأهلها.

فإنصاف أسرة عبدالرحمن خان هو في جوهره إنصاف لعدن نفسها، واستعادة منتجع خليج الفيل لأصحابه هي استعادة لهيبة القانون قبل أن تكون استعادة لأرض أو مبنى. فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل حين يعود الحق لأصحابه، ويُحترم القضاء، وتُصان كرامة الإنسان.