"إنصاف المقاتل التهامي في الأرض" لا للانتهازيين على موائد الاستحقاق...

"إنصاف المقاتل التهامي في الأرض" لا للانتهازيين على موائد الاستحقاق...


منبر الاخبار / منبر الرأي ..


كتب / الدكتور : علي عفيفي الاهدل ...

في عمق الأرض التهامية، حيث يختلط التراب بالعرق والدم، يقف المقاتل التهامي شامخًا، غير متقاعس، وغير متباهٍ، وغير متسابق على المناصب. فرش دمه على الأرض، ولم يفرش قلمه على الصفحات ليلعب لعبة المناصب، ولم يسعَ وراء أضواء الكاميرات ليحصد الثمار قبل أوانها. الشجاعة هنا ليست شعارات متقنة، بل دماء تُسكَب في صمت وصبر، وقلوب تتقبل المخاطر بلا تردد.
الشجعان يموتون من أجل الأرض، أما الانتهازيون فيتسابقون على قطف الثمار. وتكمن المأساة حين تتحوّل الجهود العظيمة للتضحيات إلى سلّم للارتقاء الاجتماعي أو السياسي، ويُغتال الحق باسم المجاملة، ويُختزل الاستحقاق في المناورة والتملق، لا في الدم والعرق والوفاء.
المقاتل التهامي ليس مجرد جندي أو محارب، بل رمز للصدق في التضحية، والوفاء في الدفاع عن الأرض، والشرف في الثبات على المبادئ. ومن واجب كل من يملك قلمًا أو قرارًا أو موضعًا من التأثير أن يحفظ لهذا المقاتل حقه قبل أن يختفي وسط الزحام، وقبل أن تُحوَّل تضحياته إلى مادة للاستهلاك الإعلامي أو السياسي.
إيّاك أن يكون خصمك شهيدًا أو جريحًا. فالشرف لا يُقاس بعدد الأقوال، بل بعدد الأفعال ومدى الالتزام بالمبادئ. إن الخصومة مع من جادوا بحياتهم أو أصيبوا دفاعًا عن الأرض ليست حربًا عادلة، بل انتهاك للأخلاق واغتصاب للحق.
المقاتل التهامي قد يحمل البندقية في معركة، وقد يحمل القلم في معركة الفكر، وكلاهما في سبيل الحق. وغالبًا ما يُعامل الجرحى والكتّاب الصادقون كما يُعامل المتسلقون الانتهازيون، فيُنتزع منهم الاستحقاق الذي حَقَّقوه بدمائهم وعرقهم وصبرهم.
إنصاف المقاتل التهامي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل حق مقدس يجب أن يسبق أي استحقاق أو منصب. فالعدل لا يُؤجَّل، ولا يُمنح لمن حضر الصورة، بل لمن وقف على خط النار، ومن دافع عن الأرض والكرامة قبل أن يُدرك الجميع قيمة التضحية.
الانتهازيون لا يضرّون الوطن بالضرورة بالسلاح، بل يُهدّدون القيم التي بُنيت عليها التضحيات، ويحوّلون الدم إلى سلعة، والجهد إلى وسيلة للتسلّق الاجتماعي. المكافأة الحقيقية لا تأتي لمن وصل إلى السلطة عبر المناورة، بل لمن جعل الدم والعرق والوفاء منابر للحق.
الأرض تعرف أبناءها، والدم لا يُنسى، والتاريخ لا يرحم من سطا على حق الشجعان. المقاتل التهامي سيظل خالدًا في الذاكرة، حتى لو حاول الانتهازيون تزييف الصورة، وحتى لو حاولت المجاملات سرقة النصر. العدالة وحدها تصنع الفرق، والاعتراف بالتضحيات يحفظ الوطن من الانحرافات التي قد تتلو الانتصارات الزائفة.
…المقاتل التهامي فرش دمه على الأرض، لم يفرشه شعارًا، ولا صفقة، ولا بطاقة عبور إلى منصب، بل جعله سجلًا مفتوحًا للشرف. الشجعان يموتون من أجل الأرض لأنهم يؤمنون أن الأرض عرض وهوية، أما الانتهازيون فيأتون بعد العاصفة، يتسابقون لقطف الثمار، وكأن الدم كان ماءً، وكأن الجراح كانت طريقًا معبّدًا لمكاسبهم.
أخطر ما يُصيب القضايا العادلة ليس رصاص العدو وحده، بل عبث المتسلّقين الذين يقفون في الظل ثم يقفزون إلى الواجهة ساعة النصر. هؤلاء لا يعرفون معنى الخندق، ولا طعم الانتظار تحت القصف، ولا ثقل السؤال في عيون الأمهات، لكنهم يعرفون فن التبرير وتزوير الاستحقاق.
المقاتل التهامي لم يقاتل ليُزاح، ولم يضحِّ ليُنسى، ولم يحمل روحه على كفّه ليُساوى بمن يعدّ الأرباح. إنصافه واجب وطني قبل أن يكون أخلاقيًا، فالعدل المتأخر عن المقاتل يتحوّل إلى ظلم مقنّع، والصمت عنه خيانة هادئة.
حين يُهمَّش المقاتل الصادق ويُكافأ الانتهازي، تصل رسالة خطيرة إلى الأجيال: التضحية خسارة، والصمت أو التسلّق هو الطريق الأقصر. وهنا تبدأ هزيمة المعنى قبل هزيمة الأرض.
سيبقى التهامي الصادق واقفًا حيث وُجب الوقوف، لا يطلب شكرًا، ولا يتسوّل اعترافًا، لكن الواجب الأخلاقي والوطني يُحتم إنصافه. الأوطان لا تُصان إلا بالعدل، والتضحيات لا تُحفَظ إلا حين تُعطى لأصحابها.