طارق صالح: مراجعات التاريخ وعبء الاصطفاف الوطني

طارق صالح: مراجعات التاريخ وعبء الاصطفاف الوطني

منبر الأخبار:خاص

فتحي أبو النصر : في المشهد السياسي والعسكري اليمني، يظل العميد طارق محمد عبد الله صالح أحد أكثر الشخصيات المثيرة للجدل، سواء بين خصومه أو حتى بعض أنصاره. 

خرج الرجل من أتون التحولات العاصفة في صنعاء عام 2017 ليجد نفسه في قلب معركة لم يكن خيارها الأول، لكنه تبناها لاحقا بشجاعة ووضوح، في مواجهة الحوثيين الذين قتلوا عمه الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وأمعنوا في تمزيق اليمن تحت شعارات طائفية.

ومع ذلك، يبدو أن كثيرين يصرون على قراءة تجربة طارق صالح من زاوية ضيقة، متجاهلين تعقيدات المشهد اليمني وإرث الصراع الممتد لعقود. إذ لا يمكن تناول دور قوات "المقاومة الوطنية" التي يقودها طارق صالح دون الاعتراف بأنها أحد الأذرع العسكرية القليلة التي حققت توازنا ضد تمدد الحوثيين في الساحل الغربي لمحافظة تعز. المحافظة الاستراتيجية بين الشمال والجنوب، بل إنها القوة التي أجبرت الميليشيا على وقف زحفها نحو باب المندب، حيث يكمن أحد أهم مفاتيح الأمن القومي اليمني والإقليمي والدولي.

والشاهد أنه حينما قررت قوات الساحل الغربي إعادة انتشارها أواخر 2021، تصاعدت الاتهامات بسرعة، وخرجت أصوات ترى في ذلك خطوة "غامضة"، بل وحتى "خيانة"، دون أن تأخذ في الاعتبار العوامل التي فرضتها الوقائع على الأرض. 

فهل كان الانسحاب يعني بالضرورة التفريط في المعركة ضد الحوثيين؟ أم أنه كان جزءا من رؤية عسكرية أكثر مرونة، تُعيد ترتيب الأولويات على المدى الطويل؟

في الحقيقة فإن "إعادة التموضع" لم تكن خروجا من المواجهة، بل كانت تحولا في أسلوبها، في ظل تعقيدات اتفاق ستوكهولم الذي قيد تحركات القوات المناهضة للحوثيين في الحديدة، بينما سمح للميليشيا بإعادة تنظيم صفوفها، والاستفادة من الهدنة لتعزيز سيطرتها.! 

كل هذا بسبب الرضوخ للمبعوث الأممي والذي أفضى إلى تغيير موازين القوى.

على إن المعركة ضد الحوثيين ليست معركة جغرافية بحتة، بل صراع إرادات واستراتيجيات، كذلك فإن نقد طارق صالح من هذا المنطلق يتجاهل أن الرجل لم يغادر ساحة المواجهة، بل اختار تكتيكا مختلفا، خاصة في ظل الانقسامات التي تعصف بالقوى المناهضة للحوثيين، والتي أضعفت – أكثر من أي خطوة أخرى – جهود المواجهة الوطنية.

وبالتأكيد لا يُنكر أحد أن الاصطفاف الوطني ضرورة حتمية لإنقاذ اليمن من هيمنة الحوثيين، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من الذي يملك حق تعريف الاصطفاف؟ وهل يكفي أن نرفع الشعار دون أن نعيد النظر في الأدوات والمقاربات؟

ولنتذكر : منذ مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، رفع طارق صالح شعار "الاصطفاف الوطني"، ولم يكن ذلك مجرد خطاب إعلامي، بل سعى عمليا إلى استقطاب قوى سياسية متعددة، بعضها كان خصما بالأمس، وذلك إيمانا منه بأن الحوثيين خطر يتجاوز الحسابات الحزبية والمناطقية.

 لكن، بدلا من النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لتجاوز إرث الانقسام، يصر البعض على قراءتها من زاوية المؤامرة والارتهان.

نعم، لا يمكن إنكار أن الإمارات لعبت دورا محوريا في دعم قوات "المقاومة الوطنية"، لكن هل يعني ذلك أن الولاء لها؟ أم أن المسألة تدخل في إطار تحالف المصالح الذي يحكم كل الحروب؟ 

بل إن الحقيقة تقول إن القوى التي تقاتل الحوثيين جميعها تستند إلى دعم إقليمي، لكن المعيار يجب أن يكون في مدى استقلالية القرار، وليس في مصدر التمويل.

والحال ، أنه لا يزال البعض ينظر إلى طارق صالح باعتباره امتدادا للإرث السياسي لعمه علي عبد الله صالح، متجاهلين الفارق بين ظروف الماضي وتعقيدات الحاضر. 

صحيح أن طارق صالح ينتمي إلى ذات المدرسة التي مزجت بين البراغماتية السياسية والقوة العسكرية، لكنه أيضا شخصية مستقلة، وجدت نفسها أمام مسؤولية لم تكن في الحسبان.

وإذا كان البعض يخشى من "إعادة إنتاج صالح" في شخص طارق، فإن الواقع يثبت أن الرجل يتحرك في سياق مختلف، إذ لا يملك السلطة المطلقة، ولا الدولة العميقة التي حكم بها عمه طيلة عقود.

وطبعا من السهل انتقاد طارق صالح، بل من المشروع مساءلة خياراته السياسية والعسكرية، لكن ما ليس مشروعا هو اختزال دوره في صورة نمطية تفتقر إلى الموضوعية. 

فالرجل الذي حمل السلاح ضد الحوثيين حينما كانت قوى أخرى تتفاوض معهم، والذي أعاد بناء قوات من الصفر دون دعم مؤسسي، والذي اعترف بخطأ التحالف بين المليشيات الحوثية والقوات المحسوبة على عمه ودخل تعز وأعلن اعتذاره وضرورة أن تتجاوز كل القوى السياسية أخطائها ، لم ينجر بعدها إلى معارك جانبية رغم كل محاولات الاستفزاز، كما لا يمكن تصنيفه بسهولة في خانة "المتآمر" أو "الطامح للسلطة".

لنخلص إلى إن التحدي الحقيقي أمام طارق صالح اليوم ليس في مواجهة حملات النقد، بل في القدرة على تحقيق معادلة صعبة: أن يظل جزءا من معركة اليمنيين ضد الحوثيين، دون أن يقع في فخ الاستقطاب الحزبي، وأن يكون صوتا للشرعية دون أن يكون مجرد تابع لها. فهو يعلن عن ضرورة توحيد القوى العسكرية في ظل تعدد جيوش الشرعية.

ولذلك ربما يدرك العميد طارق أن الاصطفاف الحقيقي لا يُفرض بالشعارات، بل يُبنى على الثقة المتبادلة، وهذه هي المهمة التي ستحدد مستقبله السياسي والعسكري، بعيدا عن التحيزات والانطباعات المسبقة ضده.

بل وبصريح العبارة كان العميد طارق صالح قال في كلمة بمناسبة ذكرى الثورتين ٢٦ سبتمبر و ١٤ اكتوبر "نحن في وحدة جمهورية مع حزب الإصلاح ومع القوات الجنوبية ومع القائد صغير بن عزيز رئيس هيئة الأركان وان معركتنا الهامة هي عودة صنعاء المختطفة من قبل المليشيات الحوثية إلى حضن الدولة."

كذلك ظهر بوضوح وهو يتحدث عن أهمية وحدة الصف بين مختلف الأطراف السياسية والعسكرية في اليمن.

لذلك لنأمل بتصحيح المفاهيم القديمة التي زرعها التوتر والصراع في نفوس الكثيرين، وأخذ خطوات جادة نحو بناء الثقة بين مختلف القوى الوطنية. 

  بل كل هذا يأتي في وقت تعاني فيه الجمهورية اليمنية من انقسام سياسي وميداني حاد وغير مبرر، ليظهر العميد طارق كرجل يعلي من شأن المصالحة وينظر إلى ما هو أبعد من الخلافات الظرفية.

على إنها الروح التصالحية من خلال ضبط النفس والحرص على وحدة الصفوف في وقت تمر فيه اليمن بأزمات خانقة. ما يعني وجوب ترتيب الأوراق الوطنية وتهيئة الأجواء لتفاهمات وتوافقات جديدة بين مختلف القوى السياسية والعسكرية والتحالف العربي الداعم للشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

بمعنى أدق يعمل طارق صالح على بناء يمن موحد وقوي قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية المتمثلة في النفوذ الإيراني أولا وأخيرا.